كيف تبني شبكة علاقات مهنية وأنت حديث التخرج؟

 

يسمع حديثو التخرج كثيرًا أن الوظائف الجيدة تذهب إلى أصحاب الواسطة، فيشعرون بالظلم ويستسلمون قبل أن يبدأوا. لكن الصورة الحقيقية أكثر تعقيدًا، فجزء كبير من الوظائف يشغل فعلًا عبر الترشيحات والمعارف قبل أن يعلن للعامة، ليس لأن الشركات تحابي أحدًا، بل لأن مسؤول التوظيف يثق في مرشح يزكيه موظف يعرفه أكثر من ثقته في سيرة مجهولة بين مئات السير. والفرق بين الواسطة والعلاقة المهنية أن الأولى يرثها الشخص، والثانية يبنيها بنفسه، وهي متاحة لكل خريج يعرف كيف يبدأ.

في هذا المقال ستتعرف على سبب أهمية العلاقات المهنية في الوصول إلى الوظائف، وكيف تكتشف أن شبكتك الحالية أكبر مما تظن، والأماكن التي تلتقي فيها بالمهنيين في المملكة، وطريقة طلب المحادثة الاستكشافية وما تسأله فيها، وكيف تقدم نفسك بثقة في دقيقة واحدة، ثم كيف تحافظ على علاقاتك وتنميها دون أن تكون عبئًا على أحد، والأخطاء التي تحرق العلاقات قبل أن تبدأ.

لماذا تبدأ كثير من الفرص من الناس قبل الإعلانات؟

عندما تحتاج شركة إلى موظف جديد، فإن أول ما يفعله المدير غالبًا ليس نشر إعلان، بل سؤال فريقه: هل تعرفون أحدًا مناسبًا؟ ولدى كثير من الشركات الكبرى برامج رسمية لترشيح الموظفين، تكافئ الموظف الذي يرشح شخصًا يتم توظيفه، لأن المرشحين القادمين عبر الترشيح يكونون غالبًا أكثر ملاءمة للثقافة الداخلية وأقل تكلفة في التوظيف. وهذا يعني أن جزءًا من الوظائف يشغل أو يحسم مرشحوه قبل أن يراه الباحثون في المنصات.

وحتى الوظائف المعلنة تتأثر بالعلاقات، فالسيرة الذاتية التي تصل إلى مسؤول التوظيف مع رسالة من موظف يقول إنه يعرف صاحبها ويثق في قدراته، تحظى بقراءة أكثر اهتمامًا من سيرة وصلت عبر بوابة التقديم بين مئات السير. كما أن المعارف داخل الشركة يمنحونك معلومات لا تجدها في الإعلان، مثل طبيعة الفريق الحقيقية، والمهارات التي يركز عليها المدير، وموعد فتح الوظائف القادمة.

لكن من المهم أن تفهم أن العلاقة المهنية لا تعني أن يوظفك أحد مجاملة، فالترشيح يفتح لك الباب فقط، وعليك أن تثبت كفاءتك في المقابلة والاختبارات مثل أي مرشح آخر. كما أن الشخص الذي يرشحك يضع سمعته على المحك، ولذلك لن يرشحك إلا إذا عرفك جيدًا ووثق في قدراتك، وهذا ما يجعل بناء العلاقات عملية تحتاج إلى وقت وصدق.

شبكتك الحالية أكبر مما تظن

يعتقد كثير من الخريجين أنهم لا يملكون أي شبكة علاقات مهنية، لأنهم لا يعرفون مديرين أو مسؤولين كبارًا، والحقيقة أن كل خريج يملك شبكة أولية حقيقية لم ينتبه إلى قيمتها بعد. وتبدأ هذه الشبكة من الأشخاص الذين تعرفهم بالفعل، ويمكنك اكتشافها من خلال الدوائر التالية:

  • زملاء الدراسة والدفعات السابقة: زملاؤك الذين تخرجوا قبلك بسنة أو سنتين يعملون الآن في شركات وجهات مختلفة، ويعرفون كيف تجري عمليات التوظيف فيها من الداخل. وهم أكثر من سيتفهم موقفك ويرغب في مساعدتك، لأنهم مروا بالتجربة نفسها قبل وقت قصير.

  • أعضاء هيئة التدريس: يملك كثير من الأساتذة علاقات مع الصناعة من خلال الاستشارات والأبحاث المشتركة وبرامج التدريب التعاوني، ويتلقون أحيانًا طلبات من شركات تبحث عن خريجين متميزين. والطالب الذي ترك انطباعًا جيدًا لدى أساتذته بمشاركته وجديته يكون أول من يخطر ببالهم.

  • مشرفو التدريب التعاوني والصيفي: إذا تدربت في أي جهة، فمشرفك وزملاؤك هناك جزء من شبكتك المهنية، وقد شاهدوا أداءك بأعينهم، وهذا يجعل تزكيتهم لك أقوى من أي تزكية أخرى. وحافظ على تواصلك معهم حتى بعد انتهاء التدريب.

  • العائلة والأقارب ومعارفهم: لا تخجل من إخبار أقاربك ومعارفك بالمجال الذي تبحث فيه عن عمل، فقد يعرف أحدهم شخصًا يعمل في الشركة التي تستهدفها. والفرق بين هذا وبين الواسطة أنك لا تطلب وظيفة، بل تطلب تعريفًا بشخص يمكنك التعلم منه.

أين تلتقي المهنيين في المملكة؟

بعد أن تستثمر شبكتك الحالية، تحتاج إلى توسيعها نحو مهنيين في مجالك لا تعرفهم بعد، وتتوفر في المملكة فرص كثيرة للقاء هؤلاء وجهًا لوجه، يتجاهلها أغلب الخريجين. وتأتي معارض التوظيف في مقدمة هذه الفرص، سواء تلك التي تنظمها الجامعات لطلابها وخريجيها، أو التي تنظمها جهات حكومية وخاصة على المستوى الوطني، وتجمع ممثلين عن عشرات الشركات في مكان واحد، وتمنحك فرصة للتحدث مع مسؤولي التوظيف مباشرة.

ومن الفرص المهمة أيضًا المؤتمرات والمعارض المتخصصة التي تستضيفها المدن الكبرى في مجالات التقنية والطاقة والصحة والمالية والسياحة وغيرها، وكثير منها يتيح حضور الطلاب والخريجين مجانًا أو بأسعار رمزية، أو يبحث عن متطوعين للمساعدة في التنظيم. والتطوع في هذه الفعاليات تحديدًا طريقة ذكية للقاء المتحدثين والعارضين في أجواء غير رسمية.

ولا تهمل الهيئات والجمعيات المهنية في مجالك، فكثير منها يتيح عضويات للطلاب والخريجين الجدد، وينظم لقاءات وورش عمل ودورات تجمع المهنيين من مستويات مختلفة. وكذلك المجتمعات المتخصصة في المجالات التقنية والإبداعية التي تنظم لقاءات دورية وهاكاثونات ومسابقات، وتعد بيئة مثالية لإظهار مهاراتك أمام مهنيين يبحثون عن مواهب.

المحادثة الاستكشافية: الأداة التي لا يستخدمها أغلب الخريجين

المحادثة الاستكشافية لقاء قصير، قد يكون مكالمة مرئية أو لقاء على فنجان قهوة لمدة لا تتجاوز عشرين دقيقة، تطلبه من مهني يعمل في مجال أو شركة تهمك، بهدف التعلم من تجربته وليس طلب وظيفة. والسر في نجاح هذه الأداة أن كثيرًا من المهنيين يرحبون بمساعدة الخريجين الجدد إذا شعروا بأن الطلب صادق ومحدد ولا يتضمن ضغطًا، بينما يتجاهلون الرسائل التي تطلب وظيفة مباشرة من شخص لا يعرفونه.

وعند طلب المحادثة اكتب رسالة قصيرة توضح من أنت، وكيف وصلت إليه، ولماذا اخترته تحديدًا، وما الذي تريد أن تتعلمه، مع تحديد مدة قصيرة واحترام وقته، كأن تكتب أنك خريج حديث في تخصص معين، وأنك اطلعت على مساره في الشركة، وأنك تود أن تسأله عن طبيعة العمل في قسمه لمدة خمس عشرة دقيقة في الوقت الذي يناسبه. والرسالة التي تظهر أنك بحثت عنه وتعرف ما يفعله تحظى بفرصة رد أعلى بكثير.

وخلال المحادثة اسأل أسئلة تفتح باب التعلم الحقيقي، مثل كيف بدأ مساره المهني، وما الذي يميز الموظف الناجح في قسمه، وما المهارات التي يتمنى لو تعلمها مبكرًا، وما النصيحة التي يقدمها لخريج يريد دخول هذا المجال. واختم دائمًا بسؤال ذكي، هو هل يقترح عليك شخصًا آخر يفيدك التحدث معه، فهذا السؤال يحول محادثة واحدة إلى سلسلة من العلاقات.

كيف تقدم نفسك في دقيقة واحدة بثقة؟

في معارض التوظيف والفعاليات المهنية واللقاءات العابرة، يسألك الشخص الذي تقابله عادة سؤالًا بسيطًا عن نفسك وما تفعله، ولديك أقل من دقيقة لتترك انطباعًا يجعله يرغب في مواصلة الحديث أو تذكرك لاحقًا. وتختلف هذه المقدمة عن الإجابة على سؤال حدثني عن نفسك في المقابلة الشخصية، لأنها أقصر وأخف، وهدفها فتح حوار وليس إقناع لجنة بالتوظيف.

وتتكون المقدمة الجيدة من ثلاثة عناصر مترابطة، الأول من أنت باختصار، أي تخصصك ومرحلتك، والثاني ما الذي يميزك أو يشغلك في مجالك، مثل مشروع تخرج نفذته أو مجال تهتم به تحديدًا، والثالث ما الذي تبحث عنه أو تريد تعلمه، مثل رغبتك في التعرف على العمل في قطاع معين. كأن تقول إنك خريج حديث في هندسة الحاسب، وإن مشروع تخرجك كان نظامًا لتحليل استهلاك الطاقة في المباني، وإنك مهتم بالعمل في مجال الطاقة الذكية وتود أن تعرف كيف تعمل فرق البيانات في شركتهم.

وتدرب على مقدمتك بصوت عالٍ حتى تخرج بشكل طبيعي غير محفوظ، وجهز نسخة قصيرة جدًا للقاءات السريعة ونسخة أطول قليلًا للمحادثات الهادئة. وتذكر أن الهدف ليس أن تقول كل شيء عن نفسك، بل أن تثير اهتمام الطرف الآخر بما يكفي ليسألك سؤالًا ثانيًا.

كيف تحافظ على علاقاتك وتتجنب الأخطاء التي تحرقها؟

بناء العلاقة يبدأ باللقاء الأول، لكن قيمتها الحقيقية تأتي من المتابعة، فالشخص الذي قابلته في معرض توظيف ثم لم تتواصل معه مرة أخرى سينساك خلال أسابيع. ولذلك أرسل رسالة شكر قصيرة خلال يوم أو يومين من أي لقاء أو محادثة، تذكر فيها شيئًا محددًا تعلمته منه، وأضفه إلى شبكتك على لينكدإن مع رسالة شخصية. ثم حافظ على تواصل خفيف بين حين وآخر، مثل التعليق على منشور له، أو تهنئته بإنجاز أو ترقية، أو إخباره بأنك طبقت نصيحته وما الذي حدث بعدها.

ومن أهم مبادئ العلاقات المهنية أن تقدم قبل أن تطلب، فحتى الخريج الجديد يملك ما يقدمه، مثل مشاركة مقال مفيد في مجال اهتمام الشخص، أو تعريفه بشخص قد يفيده، أو تقديم مساعدة في مجال تتقنه. فالعلاقة التي يشعر فيها الطرف الآخر بأنك تأخذ فقط تضعف بسرعة، بينما تقوى العلاقة القائمة على التبادل.

وفي المقابل هناك أخطاء تحرق العلاقات قبل أن تبدأ، أبرزها أن تطلب وظيفة أو ترشيحًا في الرسالة الأولى من شخص لا يعرفك، وأن ترسل الرسالة نفسها حرفيًا إلى عشرات الأشخاص، وأن تختفي تمامًا بعد أن يساعدك أحدهم ثم تعود فقط حين تحتاج إليه مجددًا، وأن تلح في المتابعة إذا لم يرد عليك أحد. كما أن طلب الترشيح من شخص لم يرَ عملك أبدًا يضعه في موقف محرج، والأفضل أن تطلب منه النصيحة أولًا، وتترك له المبادرة بالترشيح حين يعرفك أكثر.

الأسئلة الشائعة

هل بناء العلاقات المهنية مناسب للشخص الخجول أو الانطوائي؟

نعم، فبناء العلاقات لا يتطلب أن تكون اجتماعيًا صاخبًا، بل أن تكون صادقًا ومهتمًا بالآخرين. ويمكن للشخص الخجول أن يبدأ بالتواصل المكتوب عبر لينكدإن والرسائل، والمحادثات الفردية القصيرة بدلًا من الفعاليات المزدحمة، ثم يتدرج نحو المواقف الأوسع مع اكتساب الثقة.

كم من الوقت يحتاج بناء شبكة علاقات مفيدة؟

بناء شبكة علاقات قوية عملية مستمرة لا تنتهي، لكن يمكنك أن تلاحظ أثرها خلال أشهر قليلة إذا خصصت لها وقتًا منتظمًا كل أسبوع. والأفضل أن تبدأ قبل التخرج، لأن العلاقات التي تبنيها في سنواتك الأخيرة في الجامعة تكون جاهزة حين تبدأ البحث الفعلي عن عمل.

هل أطلب من معارفي ترشيحي لوظيفة مباشرة؟

يمكنك ذلك إذا كانت العلاقة قوية والشخص يعرف قدراتك وعملك جيدًا، مع تزويده بسيرتك ورابط الوظيفة وتوضيح سبب ملاءمتك لها، حتى تسهل عليه مهمة الترشيح. أما إذا كانت العلاقة جديدة أو ضعيفة، فالأفضل أن تطلب النصيحة والمعلومات أولًا، وتترك الترشيح يأتي بشكل طبيعي.

ماذا أفعل إذا لم يرد أحد على رسائلي؟

عدم الرد أمر طبيعي ولا يعني رفضك شخصيًا، فكثير من المهنيين مشغولون أو لا يتابعون رسائلهم باستمرار. ويمكنك إرسال متابعة واحدة لطيفة بعد أسبوع أو أسبوعين، ثم الانتقال إلى أشخاص آخرين دون إلحاح، مع مراجعة صياغة رسالتك للتأكد من أنها قصيرة ومحددة وتظهر اهتمامًا حقيقيًا.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أبرز التخصصات المطلوبة في رؤية السعودية 2030: المهارات التي تبحث عنها الشركات الكبرى

كيف تختار الوظيفة المناسبة لمؤهلاتك؟